عاجلة

الأصولية الدينية وتدمير الحضارة الإنسانية!

القس رفعت فكري سعيد

مسيحيو سريلانكا تكمن كل جريمتهم فى أنهم ذهبوا إلى الكنائس صباح الأحد ليحتفلوا بعيد قيامة السيد المسيح، لم يرتكبوا جرمًا غير هذا، ذهبوا لكنائسهم ليحتفلوا ويتعبدوا، فإذا بهم فى لحظات قلائل يتحولون إلى أشلاء وجثث، وتحول العيد المبهج إلى حمامات من الدم، بسبب عدد من الإرهابيين الظلاميين أعداء الحضارة وأعداء الإنسانية، إرهابيون لا هم لهم سوى تصنيف البشر بين مسلم وكافر، والكافر يجوز نحره وإراقة دمه إرضاء لله الذى أمرهم بالقتل كما يزعمون، ففى دقائق وصل عدد شهداء التفجيرات الإرهابية إلى حوالى 310 شهداء على الأقل و٥٠٠ جريح، فى أسوأ أعمال عنف تشهدها الجزيرة الواقعة فى جنوب آسيا منذ انتهاء الحرب الأهلية عام ٢٠٠٩، واستهدفت الهجمات المنسقة والتى لا تزال، كنائس وفنادق كبرى فى العاصمة كولومبو. وكشفت السلطات السريلانكية أن بين القتلى 39 أجنبيًا من الهند وبريطانيا والدنمارك والولايات المتحدة والصين وفرنسا وتركيا وأستراليا وسويسرا والسعودية وهولندا وإسبانيا والبرتغال وبنجلاديش واليابان. وأعلن تنظيم داعش مسؤوليته عن التفجيرات فى سريلانكا، وأن جماعة التوحيد الإسلامية المتشددة تقف وراء اعتداءات أحد القيامة، وارتبط اسم «جماعة التوحيد» بجرائم تحمل طابع التطرف والعنصرية، حيث حاكمت السلطات عددًا من قياداتها بتهم السخرية من التماثيل البوذية، ويقطن سريلانكا ٢١ مليون نسمة، بينهم ٧٠% من البوذيين، و٦% من المسيحيين و١٢.٦% من الهندوس وحوالى ٩.٧% من المسلمين. وما يقوم به هؤلاء الإرهابيون من قتل وذبح للأبرياء، يُعد جريمة نكراء فى حق الإنسانية، وأعمال إرهابية دنيئة خسيسة، وتكمن المشكلة الرئيسية التى تدفع هؤلاء السفاحين لارتكاب جرائمهم فى «الأصولية الدينية» التى تتبنى تفسير النصوص الدينية بحرفيتها منزوعة من سياقها التاريخى والحضارى، والأصوليون الدينيون يقومون بالتفسير دون اعتبار لأى علوم ومعارف إنسانية، وبتجاهل واضح لكل تقدم حضارى، وبتجاوز سافر لجميع المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، ومن ثم يترتب على ذلك الترويج لبعض الأفكار التراثية البالية التى عفا عليها الزمن منذ زمن والتى تتطلب عقولاً ناقدة لدحضها ورفضها، والتعامل معها فى ظل سياقها التاريخى والحضارى، أما وأن يتم استدعاء مثل هذه الأفكار والأفعال الهدامة اليوم، وبتجاهل واضح ومتعمد لكل تقدم أحرزته الإنسانية على مدار القرون الماضية، فهذا يُعد تدميرًا للحضارة الإنسانية. ويقوم إرهابيون فى عدد من الدول المختلفة بين الحين والآخر بالاعتداء على كنائس وعلى مسيحيين وعلى مؤسسات الدول، وهذا الإرهاب يؤكد أن هناك أصوليات دينية وهناك أصوليات عرقية وعنصرية كما أن هناك أصوليات قومية، والأصوليات الدينية والعرقية والقومية هى جميعها مدمرة للإنسانية، وإن كانت الأولى هى أشدها جهلًا وغباًء وتعصبًا وقتلًا، هذه الأصوليات على تنوعها تتوهم أنها تمتلك الحقيقة المطلقة، وكذلك هى تتبنى أفعل التفضيل فترى نفسها الأسمى والأعرق والأعلى والأصوب، و… و…، ومن المؤكد أن هذه الأصوليات تعمل على تدمير الحضارة الإنسانية، وما حدث فى سريلانكا، وما يحدث فى دول أوروبا، وما حدث فى الولايات المتحدة الأمريكية فى سبتمبر 2011، يؤكد أن الإرهاب أصبح ظاهرة سرطانية كوكبية، لذا فإنه يحتاج لمكافحة كوكبية، فهل نأمل فى أن يتبنى عقلاء كوكبنا خارطة طريق تخرجنا من نفق الأصولية المظلم؟

عن admin

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*